أحمد مصطفى المراغي

112

تفسير المراغي

وعلى الجملة فالتكوين لم يكن في لحظة واحدة ، بل كان وفق الحكمة والنظام في غير نوبة ، وكفى بكتاب مقدس أن يقول : إنه خلق الأرض في نوبتين ، وما عليها في نوبتين ، والسماوات السبع كذلك . ثم ذكر ما كان من شأنهما بعد خلقهما فقال : ( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) أي فقال لتلك العوالم السماوية ، وللأرض التي دارت حولها : ائتيا كيف شئتما طائعتين أو كارهتين فأجابتا قالتا أتينا طائعين ، قال ابن عباس : قال اللّه تعالى للسماوات : اطلعى شمسك وقمرك وكواكبك ، وأجرى رياحك وسحابك ، وقال للأرض : شقى أنهارك ، وأخرجي شجرك وثمارك ، طائعتين أو كارهتين : « قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » . وفي هذا دلالة على الحركة المستمرة المعبر عن سببها بالجاذبية ، فهي حركة تجرى جرى طاعة لا جرى قسر ، فإنا نشاهد أنا نرمى الحجر إلى أعلى قسرا فيأبى إلا أن ينزل إلى الأرض بطريق الجاذبية إلى جسم أكبر منه وهي الأرض ، وهكذا الأرض مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة طوعا لا قسرا ، لأن القسرية كرمى الحجر إلى أعلى سريعة الزوال ، أما حركة الطاعة فهي دائمة ما دام المطيع متخلقا بخلقه الذي هو فيه . ( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) أي فأتم خلقهن خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن في نوبتين سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض ، فوقع خلق السماوات والأرض في ستة كما قال : « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » * على ما اقتضته الحكمة وحسن النظام . ومن ذلك يفهم وجه الحكمة في قوله - فقال لها وللأرض إلخ ، وهي الدلالة على أن حركة الإتيان منهما كانت معا ، فبينما نرى الأرض دائرة حول نفسها وحول